جهاز الإنذار داخل جسمنا
#من_عيادتي معظم الأفراد الذين يزورون العيادات النفسية لديهم نوع من أنواع اختلال أو سوءاستخدام "استجابة الهروب أو القتال". استجابة "الهروب أو القتال" هي جهاز إنذار مبكر - كجهازإنذار الحريق- موجود داخل أجسامنا منذ بدء الخليقة لمساعدة الانسان في البقاء على قيد الحياة،ولتمكينه من الاستجابة بسرعة لمواقف الخطر الذي يهدد حياته كظهور أسد أمامه مثلا. استجابةالهروب أو القتال تحضر الجسم والعقل خلال ثوان معدودة للهروب من الأسد أو قتاله اذا استدعى الامر( بالتأكيد نفضل الهرب لكن لو لحق بنا الاسد سنقاتله)، فيتم تداعي كافة الأعضاء والأجهزة داخلالجسم التي يحتاجها الشخص لإنجاح عملية الهروب او القتال. حتى يهرب الانسان من الأسد أو يقاتلهيحتاج الى العضلات الكبيرة في الذراعين أو الساقين أن تكونا مشدودة، كما يحتاج الى طاقة كبيرةللهروب أو القتال يوفرها القلب بالضخ المتزايد للدم، وبما أن هناك ضخ متزايد للدم فيجب تنقيته بواسطةالتنفس الذي يصبح بدوره سريعا وسطحيا. في الوقت ذاته تعمل هذه الآلية على ترشيد الطاقة عبرإبطاء جميع عمليات الجسم الغير هامة لمحاربة الأسد، فتتباطأ عملية الهضم لأن الانسان لا يحتاج أنيهضم الطعام أو للتحكم بالأمعاء والمثانة في مواقف الخطر فيشعر الفرد بتلبك المعدة والأمعاء والحاجةالى زيارة الحمام. اذا كان الفرد يواجه الأسد فهذا وقت غير مناسب للحمل والإنجاب أو مواجهةالجراثيم والفيروسات لأن الجسم مشغول بمواجهة الاسد. وطبعا اذا صادف الفرد خلال هروبه قطعةسكر أو خضروات مفيدة سيتناول قطعة السكر لانها مصدر سريع للطاقة التي يحتاجها لمتابعة الهروباو القتال. جهاز الإنذار البديع هذا ساعد على بقاء النوع البشري منذ بدء الخليقة الى الآن، وهو لايزال مناسبا الى يومنا هذا للتعامل مع حالات الخطر الحقيقي ومواقف الحياة أو الموت مثل التعرضلحادث سيارة، أو دخول حرامي الى البيت وغيرها من مواقف الخطر التي فعلا تهدد حياتنا. الا أنجهاز الإنذار هذا يعاني سوء الاستخدام في حياتنا المعاصرة، فنادرا ما نمشي ونصادف أسدا فيالشارع اليوم. أصبح الأسد لدى الانسان الحديث هو الامتحانات ومواجهة الناس والخوف من احتمالحصول الخطر (مقابل وجود خطر فعلي يستدعي التصرف).الانسان الحديث يتعامل مع الأفكار كأنهاأسد والجسم يستجيب للخطر المتخيل بنفس الآلية التي سبق شرحها دون تفريق بين الحقيقة والخيال. ولأننا لا نركض فعليا أو نستخدم جسمنا في الهروب أو القتال كما كان الانسان الاول يفعل، تصبحالاعراض بالنسبة لنا مزعجة وغير مفهومة. لسوء الحظ ، يمكن للجسم أن يبالغ في رد الفعل علىالضغوطات التي لا تهدد الحياة ، مثل الاختناقات المرورية وضغط العمل والصعوبات العائلية، فنغرقفي بركة من الهرمونات والاستجابات الفسيولوجية الغير لازمة التي أصبحت بحد ذاتها - ونتيجة لسوءالاستخدام- تسبب المرض. من الأمور المفيدة التي يمكن أن نقوم بها لمواجهة هذا الاختلال ممارسةالتمارين الرياضية لأنها تقوم باستخدام العضلات فيما يشبه الهروب (المشي او الجري مثلا) أو القتال(الملاكمة والكراتيه مثلا). من الامور المفيدة أيضا ممارسة الاسترخاء بشكل يومي من أجل إعادة ضبطآلية الهروب أو القتال ومساعدة الجسم ليعود الى وضعه الاصلي (الأصل في الجسم أن يكون في حالةاسترخاء مثل الرضيع تماما. كذلك لا بد من إعادة تقييمنا للأخطار في حياتنا والعمل على تغيير الافكارالخاطئة. إسأل نفسك مرارا وقت التوتر ( هل هذا أسد؟ هل هذا موقف حياة أو موت؟ هل يستحق أنأستخدم جهاز الإنذار؟ ) وعدل استجابتك اذا كان الجواب بالنفي.
تعليقات
إرسال تعليق